الأحد، 22 يناير، 2012

عن الشوق حين يغصُّ بـ لا أحد

صديقي البعيد ، القريب جداً!


هل أحتاج لتبرير حديثي هذا معك؟ أظن نعم، على الأقل لي! أنا المفطورة على الكتمان، المصاحبة للصناديق المغلقة. صادقتك ورقةً بيضاء تفترش لي صدرها كلما نضج الشجوُ فيَّ و تقول هزّي إليَّ جزعَ شكواكِ يسّاقط فوقي أمطار حنين! غنّي ففي صدري متسعٌ لصوتك! ووحدك تعرف أن صوتي رديء لأن وحدك من يسمعه حين تفترس ذاكرتي أغنية ولا أجد لها معبراً سوى أذنيك الطيبتين! لست أكترث ما إذا كنتَ تضع سدادات قطنية، فأنت رقيقٌ بما يكفي حتى تكذب عليّ و تقول : غنّي، أحبك أن تغني!



صديقي الوحيد! أقول الوحيد بمعنى الوحيد الذي أشتم نفسي أمامه و حتى أضربها ثم في آخر السطر يرثيها معي و يضع لها مطهّراً و ضمادة!
(تعلم أني اخترتك الوحيد لأني لا أجيد الاحتفاظ بأحد ها؟! و بما أنك لا أحد فلست مضطرة لمحاولة الحفاظ عليك !)
 و لأنك مثلي تحب تبذير الصمت و تسرف في تزيين مائدة الحديث بعلامات الترقيم و لأنك أجمل من يستشف الأجوبة دون أن يطرح سؤال! و لأني لا أضطر معك للانتظار و محاصرة الساعة و زراعة عيني خلف زرٍ أحمر يضيء فأعلم أن أحدهم تذكرني بـ مسج/رسالة! و الأهم أني لستُ أضطر معك لتبرير حماقاتي و أخطائي و ذنوبي!

أيضاً أنت لم تقل لي يوماً :سلبية! صرت أسمعها كثيراً هذه الأيام و لا أجيب سوى بـ أجل ، وحدك أمرر له كم أنها تهمة بغيضة فتعتذر لي نيابة عن الدنيا

صديقي الذي لا يغادر أبداً (لأنه غير موجود أصلاً) ، أعلم أنك تحبني. لم تقل لي يوماً أنتِ جيدة لكن لو تتخلصي من كذا و كذا! فأنت أعلم الناس بي و تعرف أني لو تخلصت من بعضي (السيء) فلن يروقني المتبقي الصالح مني ، كما و أنك متأكدٌ تماماً بأن سوئي لا يطال الآخرين لأني أحرص قبل أن أغادر بيتي على أن أغلق عليه في الدولاب بإحكام حتى أعود له!

يا صديقي الذي كلما شعرتُ أني الأكثر انسحاباً نحو التيه تلقفتني ابتسامته بجرعة زائدة من الحياة فتشبثت بها أكثر، ذكرتك هذا الصباح الغائم و أنّت في قلبي أوتار الشوق نحوك و رحت أغني! صارت الغيمة تركض نحوي و قلبي يسبقني إليها و يطير. ذكرتك أنك أنت هدنة الروح المتعبة بين أشواط الحياة و أنك فسحة التأمل الجميلة على هامش عمري. لم تمنحك الأيام اسماً بعد و ألحُّ عليها ألا تفعل، فإني سميّتك منذ الأزل (العزيز لا أحد)!

عزيزي لا أحد،

هل أخبرتك عن جيوش العصافير التي صارت صديقة لفناء بيتي؟ كل صباح أترك لها الحبوب و أرقبها من شباكي حتى تكاثرت ، نحن لا نتحدث و لا هم حتى لاحظوا وجودي. هم يعرفون أني أحب التفرج عليهم أكثر من مصاحبتهم. لن تنصحني أن أشتري عصفورين و أعتني بهما داخل قفص لأنك أكثر من يعرف أني أعيش قصص حبي مع الغرباء الذين لا يعرفوني.

الغرباء أجمل لأنهم غير متطلبين و لسنا ملزمين نحوهم بأي شيء . لا يصرّون على اقتسام وقتنا و مشاعرنا و تفاصيلنا. يرحلون و يتركون كل خياراتنا بين أيدينا. نلتقيهم صدفة و نودعهم بخفة هذه العصافير التي تهرب بأجنحتها للبعيد ما إن تحس باقترابي. لا يقلقها هم الجوع فهي تعلم أن الحبوب ستكون بانتظارها متى عادت!

هكذا هم الغرباء جميلون يغادرون بلا وعود ولا نوايا ولا ذاكرة مسبقة إنما عودتهم مرهونة للصدف و للأقدام!

لكل ماسبق يا صديقي الجميل أقدم الطعام لعصافير غريبة على أن أسكنها معي فتموت بالتجاهل أو النسيان!



فريدٌ أنت حتى في توقيت رسالتي إليك. إنه العصر! الوقت الذي تبهت فيه كل الأشياء ولا يلتفت فيه أحد!

الثلاثاء، 17 يناير، 2012

200

أخيراً!


أ كان صعباً على هذا الرقم الفظ أن يكتمل طوال تلك الفترة؟
أظنه كان ينتظر حدثاً مهيباً كأن ننتهي لا بـ صفر بل بـ صفرين!!
فترة الصمت الممددة هنا منذ آخر تاريخ لم تكن ركوداً ، كانت حالة قلق قصوى أنجبت طقساً نافر البرودةَ! كان ليكون ألطفاً لو أنه أهداني لحافاً أدس فيه سخطي وأنام ما تبقى من فراغ!

ها أني عدت ، أكدّس الأيام فوق بعضها و أتهيأ لتفاصيل بياتٍ شتويٍ طويل !

ثم إني أتيت ، كما لو أنني سأكتب :
عن الأوقات المترهلة
عن الصمت المشبوه
عن نوايا لا تحسن الظن بأصحابها
عن الأرق كحالة رمدٍ مزمنة
عن مزاجي المتطرف
عن النكد الذي صار لوني المفصل
عن الخذلان حين ينزلق من فم أحدهم كمزحة ثقيلة
عن الذاكرة بوصفها سجناً افتراضياً
عن الحب تحت تأثير الخسارة
عن التفاصيل التي لن تحدث
عن المواعيد التي سيطول انتظارها عن اليوم الذي سيطول ابتداء من الليلة
عنكم كما لو أنكم هنا
عني كما لو أنني هناك
.
.

"تقاسيم الهدوء لم تعد صالحة لوجه امرأة تعبرها الحياة بتطرّف!" قالت لي المرآة؛
تدركين أخيراً أنكِ ليست في قائمة اهتماماتها الكبيرة لتلعب معكِ ولو لمرة مباراة ودية لا يعمل فيها عدّاد الأهداف!
في تجربة التأرجح فوق حبالك المعلّقة بين أحلام السماء و أوهام الأرض لا يحميك من السقوط إلا السقوط!
ما عادت الحياة مقنعة لكِ بثباتها .. كل شيءٍ يبدو بحجم لحظة تختفي قبل اصطيادها .. يؤرقكِ حلم اعتلائها كلما تراءت لكِ أنها تطير!
ولا عادت المسافة الفاصلة بين أحلام الليل و النهار تدهشكِ مذ صارت الحقيقة أكبر من أن تختفي تحت السماء
و القلوب أبطأ من قدرتها على الركض خلف ما هو لم يكن لها أبداً
و العتمة حولنا صارت أبصر من محاولاتنا المستميتة في تضليل الرؤية
أنا لا أدري ما علاقة الدولاب بمزاجٍ متوترٍ خارجٍ للتو من حكاية غرق !!
ربما لأنه فعلٌ مرتبطٌ بترتيب الفوضى داخلنا ؛
فوضى الأفكار/الأسماء/الأحلام /الرسائل /الأسئلة /الحنين/الغياب/الحضور/ الكلام/الصمت/
على كلٍ
غداً سيكون أول ما أفعله ترتيب الدواليب !


*************************


" نحن نحكي حكايات الاخرين , كما لو كانت حكايتنا الخاصة "
السطر أعلاه لبرهان باموق هذا الذي لم أحتمل إتمام روايته ثلج رغم الكلام الكثير الجميل الذي أحفظه منه!
أين يختفي الآخرون الذي زاحموا أوقاتنا سابقاً ما إن تقرر الحياة إحالتنا لتقاعدٍ مبكر!

تدهشني قدرة عقلي على ادعاء الغيبوبة ما إن أقرر الجلوس على حافة اللامبالاة و التفرّج عليّ من نافذةٍ أوسع من عيني
نحتاج من وقتٍ لآخر القيام بأشياء لا تمت لنا بصلة ، لنعرف صلتنا بالأشياء المركونة داخلنا و ما إن كانت تستحق البقاء فينا أكثر مما بقت!
أدرك بعد انقطاعٍ طويل كل مرة كم أن الكتابة تمرينٌ مرهق يحتاج لياقة ذهنية عالية أفتقدها.
المحاولة العاثرة للتدوين كافية لترك التمرين و التسكع في أرصفة الآخرين، علّ فكرةٍ ما تركل رأسي فيفيق أو يموت للمرة الأخيرة!
تقرأ لأحدهم نصاً ، أحد لا تعرفه لكنك تتلمّس به طريقاً أخضر! نصٌ يأخذك للبعيد .. بعيد جداً حيث قلبك الذي نسيته منذ آخر تعب!
يفتحه أمامك ، يناولك إياه برفق ، يضعه بين راحتيك كفرخٍ وليد ، يقول لك : ها قلبك! متى نظرت داخله آخر مرة؟ هاك ربّت عليه ، أخبره كم أنه جميل ،يحتمل ثقل أوجاعك كل هذا العمر ولا يتذمر. كم هو صبور، يحملك أنت و الآخرين المشغول بهم ولا يشكو!
السائرون على قلوبهم في دروب البعد الوعرة يعلمون بكامل حنينهم أن الالتفات محرّضٌ جديد لعودةٍ آخرى ، هؤلاء أسوأ من يصنع النهايات و أسرع من يرمم شروخ الصدر لتعاود النوافذ حديثها الذي لا يكتمل!
"حدسنا الأول هو الحدس الصحيح" كما يقول سيوران لكنما قلوبنا الوثًابةِ أبداً نحو تخوم الأماني تتجاهل صرير العقل كلما فتحنا للوهم باباً!