على غرار المنتجات المضيئة التي يتم تداولها و بيعها عبر منتديات التسوق الخليجية، كانت لدي في طفولتي ساعة يد مضيئة! المدهش أني أذكر تفاصيلها حتى الآن أنا المصابة بثقب في ذاكرتي!
كانت أكبر من يدي الصغيرة آنذاك. فضية اللون تتوسطها مينة دائرية يتغيّر لونها للبنفسجي كلما أضاءت ليلاً.
أحببتها جداً و تعلّقت بها فترة طويلة حتى اختفت في ظروف غامضة. يمكن أكون تكبّرت عليها لما كبرت شوية و عرفت بوجود ساعات أجمل و أغلى فتخلصت منها!
تلك الساعة كانت هدية من جدتي. ليست الجدة التي كتبت لكم بعض نوادرها سابقاً. هذه جدتي لأمي. هي بكل ما تحمل من صفات لا تشبه أبداً جدتي لأبي ربيبة البر و الحياة الصحراوية الجافة. وُلدت جدتي لأمي و عاشت جارة للبحر طوال حياتها. أخذت منه ليونته و رقة موجه صباحاً. أشبهها الآن إذ أذكرها بحمامةٍ وديعة. في خفوت خطوها و صوتها الأقرب للهمس حين تتحدث. بقامتها المائلة للقصر و بياضها الساطع، بشعرها الأسود الذي لم يقدر عليه الزمن و يحوله للأبيض حتى توفيت . كانت تشعر كل من يدخل بيتها بأنه أهم من في الوجود و أن الكون يدور حوله. لم تكن تغلق بابها حتى تنام القرية و يستكين سكانها في فرشهم مطمئنين بعد ليلة سعادة قضوها في حوشها الفسيح . أفهم الآن لم اختارت و جدي أن يكون الفناء أكبر من البيت . هما لم يكونا بحاجة لأكثر من غرفة ، لكن جيرانها احتاجوا فناءً بوسع قلبها يجمعهم كل ليلة. كانت لها ابنة وحيدة هي أمي. و يبدو أن حنانها كان فائضاً و كثيراً جداً على ابنة واحدة! حتى جئنا إلى الدنيا و حصلت على تسعة مصبات تسكبه فيها.
كلنا نمنا فوق سريرها و سكبنا عطرها و عبثنا بكحلها. كلنا حصلنا على نصيبنا الوافر من التدليل، بعدالة لا يستطيعها إلا من كان ذا قلبٍ كقلبها. أستغرب الآن كلما ذكرت حجم بيتها كيف استطاعت لمنا مع عدد لابأس به من أيتامٍ عاشوا بيننا أسمينهاهم أخوة و أخوال! منهم من رحل و منهم من نسي و تنكّر. و كلما هاجمني نزقي من طفليّ الصغيرين ذكرت وسع عاطفتها التي ألّفت بين قلوبٍ لا رابط بينها سوى اليتم!
الطعام في بيتها كان ذا نكهة لا تخطئها حاسّة. الخبز الذي تعلّمته من صديقاتها الفلسطينيات لازالت رائحته عالقة في حجرات قلبي. زبدتها الطبيعية المخلوطة بالعسل المصفّى. كل شيء كانت تطبخه لنا طازجاً من مزرعتها خلف البيت.
إن كان الطهي نًفًساً فأنا أشهد أنه كان لديها روحاً. روحٌ خدمت بحبٍ و تفانٍ حتى يوم دخولها المشفى و عدم خروجها منه! روح امرأة رفضت أن تشاركها أخرى في حب و خدمة كل من ينام تحت سقفها حتى ماتت.
أذكر جيداً أحاديثها و جدي في الأوقات القليلة التي يُسمح لهما بالخلوة قبل أن يمتليء البيت من جديد. أذكر مزاحه العابث و خجلها العذب حين تنتبه لابتساماتنا المحرجة من تحت أذرعنا المتشابكة خلف ركبنا. أذكر قلقها الذي كان يفتك بقلبها الضعيف حين تأخر في رحلته البحرية (جدي بالمناسبة كان نوخذة*) استمر في قيادة سفينته حتى بعد اندثار اللؤلؤ. استبدله بالبضائع التي كان يأتي بها من كل مكان يستطيع السفر إليه و ملأ بيت الجدة بأجمل التحف و أنفسها.
كنا يومها عائدين من مدارسنا و إذا بها مستلقية بإعياء في منزلنا و أمي تهدئ من روعها و تقسم لها أن جدي وصل من رحلته وفي طريقه للبيت. أذكر لحظة دخوله عليها و محاولته المعتادة ممازحتها و صدها عنه بتدلل و غضب مصطنع حتى يسترضيها أكثر.
أذكر أكثر أننا كنا ملاقيف و ذهبنا معهما لمنزلهما المقابل لمنزلنا فالنوم هناك مريح أكثر و طعم الأكل ألذ و الوجوه هناك كانت تضحك أكثر.
ذكرت جدتي و نسيت أكمل حكاية الساعة! كانت هدية من جدتي. أهدتني إياها حين أتيتها راكضة أريها غنيمتي مزهوّة. كنت الوحيدة بين أخواتي التي أرافقها هي و أمي و نساء الحي في رحلة البحث عن الفقع! (و الفقع لمن لا يعرفه هو الكمأ أو يشبهه ربما لا أدري لكنه نبات لذيذ يخرج من الأرض ما عاد لذيذاً كما كان) كنت صغيرة جداً لكني أصر على مرافقتهن حتى أتقنت استخدام السكين و استخراج الفقع من الأرض و الاستمتاع بشكله في حضني. حتى اطمأنت أمي إلى شطارتي و أعطتني سلّة!
ذاك اليوم لم ترافقنا جدتي بسبب موعدها في المستشفى. طلبت مني أن أحل محلها و يكون ما أحصل عليه من نصيبها و جدي. و وعدتني بهدية قيّمة إن أتيتها بما يثلج صدرها. و قد كان! تفوّقت على النساء الكبيرات و وجدت أكبر (زبيدي ). كان أكبر من قبضة يدي. أحسست بقلبي ينخلع من مكانه حين رأيته. صرخت ليتجمع الكل حولي. حضرن جميعاً و بقين لفترة يتأملن بياضه و يثنين على بصري و يتحسرن على أبصارهن التي بدأت تعتم!
ركضت للسيارة أستعجلها لتصل بيت جدتي بسرعة. وجدتها في الفناء تهيئ المكان للسهرة المعتادة. فرحت بي أكثر من فرحها بالزبيدي الكبير. أخرجت لي الساعة من علبتها. ضبطتها لي و قالت: انتظري لليل و سترين. انتظرت بصبرٍ فارغ. أظلمت السماء في فنائها فأضاءت ساعتي الجديدة بلونٍ بنفسجي ساحر. قد يكون هو سبب حبي للون البنفسجي حتى اليوم.
ماتت جدتي و اختفت ساعتي ككل الأشياء الجميلة التي رحلت معها.
..............
في التو و اللحظة
من كان الأعذب يا مشاعل .. جدتي أو جدتكِ !!
ردحذفجدتي التي اسميتها أمي ،،،
كانت تخبأ أحلامنا الصغيرة في قلبها
فيزهر الربيع لنا .
كل الأشياء الجميلة حولي ارتبطت بوجودها ، رحلت وما عاد للجمال مكان
كنا نلتف حولها في بيتها الصغير ، وكان قلبها أرحب
أتذكرين موسم " الفقع " قربها ! كان مختلفاً منذ رحلت فقد نكهته وفقدت رغبتي بأكله
كان بيتها الصغير أكثر الأماكن اتساع .. كبر البيت وضاقت الأمكنة
رحلت .. وكل شيء معها رحل ..
كنت أقول .. مسكين الصغير اليتيم .. أشعر اليوم أن الكبير اليتيم " مسكين أكثر "
الصغير يكبر فيتضاءل بقلبه احساسه باليتم أما الكبير .. فكم عمر يحتاج !!
كلنا أيتام برحيلها .. حتى الأرض .. حتى الشمس .. حتى السحاب .. حتى الديمة .. حتى المطر والربيع والصيف والشتاء وكل ظواهر الحياة ..
لم تكن إلا مختلفة .. كانت لنا النور حين تظلم السماء وكانت الماء حين نظمأ
منذ رحلت والظلام حولي لا يبصر النور
وروحي ظمأى لا ماء حولي يرويها
( ذكرتي " الفقع " اشتم رائحته ، لكني لم أر من كانت تخبأه لنا ، تمد كفيها لنا وتنسى أنها لم تترك لها حصة )
( ذكرتي البيوت الصغيرة ، بالمناسبة بيت جدتي اليوم كبير . بلا روح . بلا صوتها بلا قلبها لذا ضاق بنا )
رحمهنّ الله
بالرغم من دلالة العنوان والمقدمة على الحديث عن ساعة مضيئة لا أكثر إلا أن الحديث انسل بخطى خافتة إلى الذكريات والجدة ، لا أدري عن وعي أو لا وعي .
ردحذفوكأنك تستعيرين الدلالة اللغوية للعنوان لتلبسيها موضوعا أكثر إلحاحا وهو الجدة .
لا زلت مفتونا بلغتك ، واليوم صباحاً وأنا أرتشف قهوتي قلت لنفسي : أحتاج أن أقرأ لمشاعل قليلا ، وفعلت .
عبدالله السالم .
كلتاهما يا حنين
ردحذفتناصفتا اللطف و تناصفنا بعدهما اليتم!
قرأتك طويلاً و تأخرت كثيراً عن الاحتفاء بحضورك
لأنه أجمل بكثير من ردي
للغة الروح سطوة تتآمر مع الوعي على أصابعنا
ردحذفلتكتب بإيقاعٍ يلامس شغاف القلب
عبدالله السالم هنا!
مزهوّة جداً بتوقيعك و متابعتك
بل أكثر مذهولة!